عن الصقور

تنقسم الصقور إلى عشرات الفصائل والتي تختلف بأحجامها وأوزانها وألوان ريشها وسرعتها وقدرتها على الطيران، وتعيش فصائل الصقور المختلفة في مناطق جغرافية ومناخية متعددة من الصحاري شديدة الحرارة وحتى المناطق الثلجية شديدة البرودة.

إلا أن الباحثون يقسمون الصقور  تقسيماً علمياً يُعيد كافة الفصائل المختلفة إلى أربعة أنواع رئيسة هي الصقر الحر، وصقر الجير، و الشاهين، إضافة إلى الوكري.

Gyrfalcon Falco Rusticolus

يعتبر صقر الجير أحد أكبر الصقور في العالم حيث يعيش في البيئات الجبلية والباردة و يسمى أحياناً بالصقر الكندي؛ لأنه استجلب من كندا والأسكا إلى جزيرة العرب ويعتبر صقر الجير من أسرع الصقور في الطيران والانقضاض.

الطول للجنسين: ما بين  41 و56 سم.  

الوزن للجنسين: ما بين 800 و2100 غرام.

يختلف لون ريشه بحسب البيئة التي يعيش فيها، فهناك الأبيض والأسود والرصاصي والبني الداكن. يعيش صقر الجير في البيئات الباردة خاصة في شمال أوروبا وأمريكا الشمالية والقطب الشمالي،  ويصيد الطرائد الكبيرة والصغيرة من الغزلان إلى الطيور والقوارض الصغيرة.

Falco Cherrug / Saker Falcon

من الصقور المفضلة عند العرب ويتكاثر في شرق أوروبا ووسط آسيا، ويهاجر في الشتاء جنوباً عبر الجزيرة العربية إلى أفريقيا. ويسمى باللغة الإنجليزية Falco Cherrug و Saker والاسم الأخير مأخوذ من اللفظ العربي “صقر”، كما يفضل العرب الصقر الحر بسبب تحمله للأجواء الحارة، علاوة على تفوقه في الصيد.

الطول للجنسين: ما بين 37 و47 سم.

الوزن للجنسين: ما بين 765 و1190 غرام.

الصقر الحر قادر على صيد الطرائد الكبيرة والصغيرة ويتكاثر في شرق أوروبا وأواسط آسيا في منشوريا ومنغوليا وسيبيريا والصين وباكستان، كما يمر شتاء عبر الجزيرة العربية في طريق هجرته إلى أفريقيا وتقيم بعض سلالاته في جزيرة العرب وجنوب العراق والسودان ومصر.

Falco Peregrinus

يعتبر الشاهين أسرع الطيور في العالم وقد تصل سرعته إلى 320 كلم /ساعة وتوجد منه ما يقرب 19 فصيلة، كما تنتشر في مناطق واسعة من العالم وبسبب كثرة تنقلها سميت بـ “الصقر الجوال” أو Wandering Falcon. ويغلب عليها أن تصطاد طرائدها أثناء تحليقها في الجو وهي من الصقور المفضلة لدى العرب.

الطول للجنسين: ما بين 38 و46 سم.

الوزن للجنسين: ما بين 565 و 1050 غرام.

ينتشر الشاهين  في أنحاء واسعة من العالم ومن سلالاتها “اليابانية” و”بايلي” و “التوندرا” و تصيد الثديات الصغيرة والطيور والحشرات.

يقسم الصقّارون في الجزيرة العربية الشواهين إلى نوعين “شاهين بحري” و “شاهين جبلي”، ويمتاز البحري بأنه أكبر أنواع الشواهين ذو لون فاتح يهاجر إلى جزيرة العرب من أماكن تكاثره، أما الجبلي فيميل للون الغامق ويستوطن ويتكاثر في جبال الجزيرة العربية.

Lanner Falcon, Falco Biarmicus

يعتبر من الصقور المتوسطة في كفاءة الصيد رغم شدة تحمُّله للجوع والمرض والذي يتكاثر في أفريقيا وجنوب آسيا وهو من الصقور سهلة الطباع  من اليسير توجيهها وتدريبها.

الطول للجنسين: ما بين 36 إلى 51 سم.

الوزن للجنسين: ما بين 500 إلى 900 غرام.

رغم أن الوكري أقل كفاءة في الصيد إلا أن الأنواع المدربة منه تدريباً جيداً قادرة على صيد الحبارى إلا أنه عادة يصطاد الطرائد الصغيرة والمتوسطة لا الكبيرة يعيش الوكري في الجزيرة العربية وأفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.

عرف الإنسان الصيد بالطيور الجارحة منذ القدم، و تُظهر أقدم النقوش المكتشفة أن جزيرة العرب عرفت الصيد بالصقور منذ آلاف السنين. ويُفضّل العرب الصيد بالصقور على غيرها من الجوارح، بينما صادت شعوب أخرى بطيور جارحة مختلفة كالنسور والعقبان وغيرها.

وتوجد أنواع مختلفة من الصقور تصل إلى عشرات الفصائل والسلالات إضافة إلى الفصائل المهجنة حيث تنقسم الصقور بصورة عامة إلى أربعة أنواع رئيسة هي الصقر الحر وصقر الجير والشاهين إضافة للوكري.

ويتربّع الصقر الحر على عرش الصقور عند العرب، كما أنهم يعرفون أنواعاً مختلفةً من الشواهين وصقور الوكري، بينما لم نتشر لديهم الصيد بصقر الجير (ما يُعرف أيضاً بالكندي) إلا في العقود القليلة الماضية بسبب تكاثره في الأماكن شديدة البرودة وصعوبة تأقلمه في الصحاري العربية.

ويذكر في التراث العربي أن الحارث بن معاوية بن ثور الكندي هو أول من عرف الصيد بالصقور في زمان مملكة كندة، إذ وقع صقر في شرك للطيور وقام بأكل بعض العصافير فيه فأُعجب الحارث بالطير الغريب وأمر بصيده وبعد أيام وبينما كان الحارث مع طيره الغريب تفاجأ به يفلت من بين يديه؛ ليقتنص حمامة عابرة، وبعد أيام كان الصقر في موعدٍ مع طريدة أكبر وأثمن فاقتنص أرنباً برياً والحارث ينظرعندها – تقول الحكاية – علم الحارث أنه في حضرة طير مختلف، فأمر بتدريبه على الصيد وهذا ما كان، فتوارث العرب في الجزيرة العربية الصيد بالصقور أباً عن جد.

وكان الصيد بالصقور هواية ترف للملوك والأمراء وعِلية القوم في جزيرة العرب، كما كان مصدر رزق للفقراء إلا أن الهواية لم تختص بالعرب فقد انتشر الصيد بالطيور الجارحة من أواسط آسيا إلى أوروبا حتى أصبح من هوايات النبلاء هناك ولعب دوراً دبلوماسياً كبيرا في القرون الوسطى إذ كانت الصقور هدايا ملوك أوروبا لبعضهم.

عرفت الجزيرة العربية الصيد بالصقور قبل آلاف السنين إذ توثق النقوش معرفة العرب بالصقور منذ ما يزيد عن 9 آلاف سنة قبل الميلاد. أي قبل آلاف السنين من الأسطورة المنسوبة للحارث الكندي وما يُنسب للملك الآشوري صارغون الثاني، وتثبت آثار “حضارة المقر” في العصر الحجري الثاني والمكتشفة حديثاً أن الإنسان في جزيرة العرب استئناس الخيل والصقر وحيوانات أخرى في وقت مبكر جدا مقارنة بالحضارات الأخرى.

وكانت ولا تزال الجزيرة العربية معبراً هاماً للصقور المهاجرة من وسط آسيا وشرق أوروبا إلى أفريقيا حيث يكمن الصقّارون للصقور في صحاري شمال الجزيرة العربية لصيدها مع انكسار صيف كل عام، كما تستوطن بعض أنواع الصقور جبال الجزيرة العربية وتتكاثر فيها.  

وتحظى تربية الصقور بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام في المملكة العربية السعودية بمختلف مناطقها وتشارك في المهرجانات بأجنحة مخصصة لعرض الصقور الحيّة ولا تغفل عن تقديم دروس مخصصة في تربية الصقور وتدريبها والتعريف بأهمية هذا التراث وأصالته في منشآت مختصّة وتتشارك مع باقي دول مجلس التعاون في منع صيدها بالبنادق والحد من الصيد الجائر والالتزام بالقوانين المفروضة؛ للحفاظ على توازن الأنواع المهددة بالانقراض إلا أن الظروف البيئية الغير ملائمة لتزاوج الصقور وارتفاع نسبة الحرارة والرطوبة حدّت من زيادة الإنتاج وعملية التفريخ.

يُعتبر العرب من أكثر الشعوب تولعاً واهتماماً بتربية الصقور، وكان لملوكهم بصمة واضحة في تاريخ التربية والصداقة مع هذه الطيور الجارحة، خاصة في شبه الجزيرة العربية. وقد أكسبوها مكانة اجتماعية راقية حتى أصبحت رمزاً للقوة والرفعة والشجاعة، وموضع فخر، لجمالها وولائها وحدّة بصرها والثقة المصاحبة لها.

مدخل

تطوَّر حب الإنسان للصقور عبر الزمان حيث بدأ بصيدها والانتفاع منها ثم أصبح ينصِب أفخاخهُ كي يمتلكها ثُمّ يستأنسها ويُدربها ويعتني بها وإن شاء استخدمها في صيده، إلا أن الصيد بها لا يُعد مقصِداً رئيساً في وقتنا الحاضر بقدر أهمية العلاقة الودية المتينة بين الصقر ومربيه ،وقد تطورت هذه الهواية على مر العصور، وتنوعت أساليب تربية الصقور، وتعددت استخدامات الصقور في مختلف بلدان العالم  وتحولت من هواية إلى احتراف حتى أصبحت جزءاً من حياة الشعوب.

أهمية الصقور الدولية

صُنفت بعض أنواع الصقور ضمن الحيوانات النادرة والمهدّدة بالانقراض بعد الحرب العالمية الثانية؛ مما دفع بعض الدول لوضع تشريعات وقوانين صارمة تواكبها حملات توعوية تساهم في الحد من الصيد الجائر للصقور والحفاظ على التوازن البيئي والحياة البرية، كما اندرجت ” تربية الصقور” ضمن قائمة ۲۰۱۰م للتراث اللامادي للإنسانية من قبل منظمة اليونسكو وردت فيها قائمة بعدد من البلدان المعنيّة بهذه التربية وهي: المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة العربية وقطر والمغرب والجمهورية العربية السورية وبلجيكا والجمهورية التشيكية وفرنسا وجمهورية كوريا ومنغوليا وأسبانيا، وأوضحت فيها الأهمية الكبيرة لتربية الصقور؛ كونها تُشكل قاعدة تراث ثقافي واسع يرتبط بها الإنسان برابط صداقة عريقة.

الصقور في أوروبا

تشير الدراسات إلى أن أوروبا عرفت الصيد بالصقور في القرن الثالث الميلادي، إلا أن تلك الهواية لاقت رواجاً واسعاً بعد القرن السادس حتى بلغ الهوس بالصقور ذروته في القرن السابع عشر،وذلك بإصدار بعض ملوك أوروبا تشريعات تقصر الصيد بالصقور على علية القوم بل تحديد أنواع لا يُسمح بامتلاكها والصيد بها إلا للملوك.  

كانت الصقور تنتشر عبر مساحات شاسعة من الأرياف والمدن الأوروبية في العصور الوسطى، وقد رأى حكامها في الصيد باستخدام الصقور فنّ يُعنى بِه وفيه تحديّاً كبيراً للشخصيّة في القدرة على التحمّل والمثابرة والاهتمام.

وتأثر الصيد بالصقور في أوروبا بثقافات مختلفة، ولاسيما الثقافة العربية حتى أن إمبراطور ألمانيا وإيطاليا وصقلية فريدريك الثاني أشهر الملوك الصقارين في أوروبا استعان في بلاطه بصقارين عرب ساهموا في مادة كتابه الضخم عن الصيد بالطيور الجارحة.

تتشابه الدول العربية المربية للصقور بأساليب التربية والتدريب بوجه عام مع اختلافها حول بعض التفاصيل الدقيقة لتلك المَهمة الشاقة المتوارثة من الأجداد والتي تحتاج للتحلي بالصبر الطويل، فقد تصل مدّة تدريب الصقر واستئناسه ومعرفته لمربيه لشهرٍ كاملٍ من التدريب اليومي وقد تزيد إلى ٤۰ يوماً – إن كان فرخاً لا يزيد عمره عن سنة، بينما قد تتجاوز فترة تدريب الصقر الأكبر سناً العام الكامل، وتختلف الصقور بسرعة استجابتها وتتميز عن بعضها فـ”الشاهين” على سبيل المثال يتسم باستجابته للتدريب مقارنة بـ”الحر” لكن تكمن الصعوبة في الحفاظ عليه؛ بسبب سرعة إصابته بالأمراض وبطء عملية القرنسة “وهي مرحلة تبديل الريش”.

كما تتطلب عملية تدريب الصقر مجموعة من الأساليب والأدوات الحديثة والتقليدية  منها “المنظار” الذي يكشف عن حركة الصقر و”البرقع” الذي يغطي رأس الصقر لتهدئته وترويضه و”المنقلة” وهي قطعة قماشية تلبس حول اليد ويتم وضع الصقر على اليد اليسرى؛ كونها أقل حركةً من اليمني والتي تبقى مرتفعة بمعظم الأوقات أثناء حمله، حيث يعتاد الصقار اصطحابه للمجالس ليألف الأصوات ويُدعى باسم معيّن يُصاح به، ولا تقتصر طرق التربية وخطوات التدريب على ما ذُكر بل قد تطول وتتنوع الأساليب وتتطور الأدوات والتي من أحدثها الطائرات الصغيرة من دون طيار توضع فيها الفريسة في قفص صغير لاصطيادها خلال فترة التدريب وبعد إتمام التدريب على المُربي أن يوقن بأن الصقر لن يهرب حين إطلاقه وسيعود دوماً إلى صاحبه.

تربية الصقور عالمياً

يختلف أسلوب التربية للصقور في أوروبا عن العالم العربي بشكلٍ كبير إلا أنها تتشابه في بعض التفاصيل  كتربيته في استخدام بعض الأدوات التقليدية، فبعد الأزمة البيئية أصبحت الصقور تُربى وتُدرب وتتكاثر داخل محميات خاصة ويتم تدريبها على طرق الصيد داخل المحمية تارة وتطلق في البريّة تارة أخرى، أما في بلجيكا وبالرغم من اهتمام شعبها بالصقور عادةً ما يُترك الصقر وحده، يبني عُشه بالقرب من البشر ويتكيّف بسهولة بالعيش في بيئتهم، كما يُسمح اليوم للهواة بتربية الصقور وممارسة الصيد بها في المملكة المتحدة دون الحاجة لإصدار ترخيص شريطة أن يلتزم المُربي والصيّاد بالأنظمة المرتبطة بذلك.

وقد تم تأسيس معهد نموذجي أوروبي لتربية الطيور بتوجيه من الصقّار النمساوي ” جوزيف هيلبر” يقام فيه عروض الطيران باستخدام الطعم كما تتعدد سُبل الانتفاع بالصقور في أوروبا منذ القدم والتي لا تقتصر على تربيتها والاصطياد بها فلم يكن الأغنياء وحدهم من يمتلك الصقور فقط فقد كان العمال يستعينون بها في البحث عن الطعام، وفي الحرب العالمية الثانية كانت تستخدم لقتل الحمام الناقل للرسائل، ولمنع الطيور من الاقتراب حول المطارات للحد من خطر اصطدامها بالطائرات.

وفي الطرف الآخر تأتي “كوريا” حيث يلقى فن تربية الصقور رواجاً كبيراً  فقد كان يمارس هذا الفن في الربيع مروراً بموسم الشتاء، وكان لهم أسلوبهم في تدريب الصقر حيث كان يربط قدمه وعنقه بشريط جلدي ويعلق عليها اسم صاحبه مع وضع جرس على ذيله للكشف عن موقع هبوطه.